الصالحي الشامي

363

سبل الهدى والرشاد

أحدهما : تألم الجسد الشريف بتكرر خروج الروح منه أو نوع ما من مخالفة التكرار إن لم يكن تأليما . والآخر : مخالفة سائر الناس الشهداء وغيرهم ، فإنه لم يثبت لأحد منهم أنه يتكرر له مفارقة الروح وعودها إلى البرزخ ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أولى بالاستمرار الذي هو أعلى مرتبة . ومحذور ثالث وهو مخالفة القرآن فإنه دل على أنه ليس إلا موتة وحياتان ، وهذا التكرير يستلزم موتات كثيرة وهو باطل انتهى . ثم قال القونوي : وإما أن يقال يردها عند سلام المسلم الأول ثم قبضها بعد ذلك ، ثم ردها عند مسلم آخر وهكذا كلما سلم عليه المسلمون ، وهذا لم يقل به أحد ، ولا يجوز اعتقاده أيضا ، فإنه يفضى إلى توالى موتات لا تحصى ورد الروح مرات لا تحصى ، فإن كل مصل يسلم عليه في صلاته مرة أو مرتين وغير المصلي أيضا يسلم عليه ، ويختلف أوقات سلامهم فلا يخلو ساعة من الساعات من سلام عليه ولا يخفى ما في التزام تكرار الرد بتكرار ذلك المحذور فتعين القول بردها عليه - صلى الله عليه وسلم - بعد موته مرة واحدة لرد السلام على المسلم الأول واستمرار الحياة بعد ذلك إلى يوم القيامة فيكون النبي - صلى الله عليه وسلم - حيا في قبره ثم أيد ذلك بما رواه مسلم عن أنس مرفوعا ، رأيت موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره . الجواب الثاني : قال السبكي : يحتمل أن يكون ردا معنويا ، وأن تكون روحه الشريفة مستقلة بشهود الحضرة الإلهية والملأ الأعلى عن هذا العالم فإذا سلم عليه أقبلت روحه الشريفة على هذا العالم فيدرك سلام من سلم عليه ، أو يرد عليه . الثالث : قال الشيخ : إن لفظ ( الرد ) قد لا يدل على انفكاك المفارقة : بل كنى به عن مطلق الصيرورة كما قبل في قوله تعالى حكاية عن شعيب - عليه الصلاة والسلام - ( قد افترينا على الله كذبا إن عدنا فهي ملتكم ) [ الأعراف : 89 ] إن لفظ العود أريد به مطلق الصيرورة لا العود بعد الانتقال ، لأن شعيبا - عليه الصلاة والسلام - لم يكن في ملتهم قط ، وحسن استعمال هذا اللفظ في هذا الحديث مراعاة للمناسبة اللفظية بينه وبين قوله : ( حتى أرد عليه السلام ) في لفظ الرد في صدر الحديث لمناسبة ذكره في آخر الحديث . الرابع : قال الشيخ : ليس المراد برد الروح عودها بعد المفارقة للبدن ، وإنما النبي - صلى الله عليه وسلم - في البرزخ مشغول بأحوال الملكوت مستغرق في مشاهدة ربه كما كان في الدنيا في حاله بالوحي ، وفي أوقات أخر فعبر عن إفاقته من تلك المشاهدة ، وذلك الاستغراق برد الروح ، ونظير هذا قول العلماء في اللفظة التي وقعت في بعض أحاديث الإسراء لم يكن